المنتدى العربي الأول للتحميل المباشر
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

اذهب الى الأسفل
avatar
sami
عضو من منظمة الهكر الجزائرية
عضو من منظمة الهكر الجزائرية
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1880
نقــــاط السمعــــة : 12
تاريخ التسجيل : 02/07/2009
العمر : 34
المزاج : ملل
الدولة : الرسالة الأخيرة 1376060383691
الأوسمة :
https://all-down.all-up.com

منقول الرسالة الأخيرة

2009-10-26, 13:01
السلام عليكم


اتمنى تنال اعجابكم



امرأة ممزقة "أنا"... جزء مني هنا، وجزء هناك، وجزء يسافر بحلمي، يضاجع ذكريات تأبى أن تموت.. من قال إن الذكرى تموت؟ قد تغيب حيناً، قد تتضاءل مساحتها حيناً آخر، لكنها أبداً لا تموت، إنها كقطعة نحاسية، بمجرد آن تمتد أيدينا لتمسح عنها الغبار تلمع من جديد.
ابتسامة صفراء باهتة، أرسمها على سطح شفتي لأخدع الآخرين، وأثبت لهم أنني قد نسيت.. ابتسامة اشتريها كل صباح وأنا ذاهبة إلى عملي، تماماً كما أشتري الخبز والحليب والحلوى.
لكن خلف هذا الصدر المتعب، وفي عمق هذا القلب المثقل؛ تنام حكاية لجرح يتسع يوماً بعد آخر، رغم أن الأيام تمضي تلتهم بعضها البعض، إلا أنها عجزت أن تبتلع جرحي ولم يكن في مقدوري أن أنسى أنه مات!
أنا أعرف أن الملايين قبله قد ماتوا، وأن الملايين بعده سيموتون، لكن – من وجعي- أحس أنه الرجل الوحيد الذي مات فوق الأرض.

لا زلت أذكر أول يوم بدأت فيه عملي كممرضة، كنت رقيقة حد الذوبان، رومانسية حتى الجنون.. كنت أحس بقلبي يتمزق إذا رأيت مريضاً يتألم، كنت أجري من سرير إلى آخر، ومن مريض إلى آخر، أساعد هذا على الجلوس، وذاك على النوم، والآخر على الخروج... كانت حياتي في أول الأمر قطعة ألم، حكاية لموت لا ينتهي، وعندما رأيت أول مريضة تموت بين يدي صرخت.. فزعت.. بكيت، وأحسست أن الكون كله توقف، بل قضيت ليلتي تحت تأثير كابوس مرعب... ومع مرور الأيام والسنين، تعودت على صورة الموت، بل أصبحت متأكدة أن الموت باب سيدخله الناس جميعاً، وتأكدت أيضا أن الموت كما يكون نهاية للأمل، الحب والحياة، يكون أيضا نهاية للألم، للشقاء، للعذاب.
كثيرون هم الذين ناموا على هذا السرير وماتوا، منهم من مات وهو يبتسم، ومنهم من مات وهو حزين... منهم من مات هادئاً يكابد آلامه في صمت، ومنهم من مات وهو يصرخ... لكن كلهم ماتوا.

إلى أن التقيت به، فعاودني الخوف من الموت، رأيته وأنا أقوم بدورة عادية لمراقبة المرضى، كان رجلاً هادئاً، تجاوز العقد الثالث من عمره، على وجهه مسحة من الجمال ظلت تقاوم المرض وتتحدى الألم.
في أول الأمر لم أنتبه إليه، لأن وقتي موزع بين كل المرضى... وسمعته في اليوم الموالي يقول لي برزانة لفتت انتباهي:
- آنسة.. من فضلك....
ثم سكت كأنه يريد أن يقول شيئا ومنعه الحياء، اقتربت منه وأنا أقول:
- نعم سيدي.. هل تريد شيئاً؟
قال لي دون أن يرفع نظره إليّ :
- "لقد تعودت كل صباح مطالعة الجرائد وأريد..... وسكت مرة أخرى.
قلت له وأنا ابتسم بصدق:
- تريدني أن أحضر لك الجريدة كل صباح... طلب بسيط، فأنا أيضاً مدمنة على قراءة الجرائد.
قال لي كأنه أحس بثقل طلبه:
- أرجو ألا أكون قد أثقلت عليك بطلبي.
أجبته بسرعة:
- أبداً.. إنه طلب بسيط.

إحساس غريب شدني إليه لم أعرف معناه، أحسست أن هذا الرجل يعلو فوق ألمه، يكبر على مرضه، فكبرت صورته في عيني وقلبي.
كلما ذهبت إليه لأناوله الدواء، كنت أجد نفسي أدخل معه في حديث أتمنى ألا ينتهي، كان يتحدث عن كل شيء: عن الموت والحياة، عن النجاح والفشل. كنت أدخل معه في نقاش حول بعض الأمور السياسية والقضايا الفكرية، فأجد أنه على إطلاع واسع. كان دائم المطالعة، يقرأ كثيراً، مع أنه يعلم أن أيامه معدودة في هذه الحياة، لكنه كان يقرأ، كأنه يريد أن يختصر علوم الدنيا فيما تبقى من عمره.

عندما ساعدته ذات يوم على الجلوس، رأيت مصحفاً صغيراً تحت وسادته، فأخذته، ورحت أنظر إليه، قال لي دون أن أسأله:
- لقد أهدتني إياه أمي رحمها الله، بعد عودتها من الحج، وقالت لي لا تجعله يفارقك أبداً، فإنه يمنع عنك الإحساس بالخوف واليأس.

كان "خالد" يكبر في نظري يوماً بعد آخر، ومن حيث لا أشعر وجدت أنني قد تعودت على الحديث معه، بل اكتشفت أني أحبه، ولا أتصور الحياة بدونه!
- "مجنونة أنتِ"... هكذا قالت عني صديقتي عندما كشفت لها سري، صرخت في وجهي: "مجنونة أنت يا وفاء، كيف تحبين رجلاً يعاني من سرطان الدم ويعيش أيامه الأخيرة، لقد حكمت على نفسك بالموت".
نعم.. حكمت على نفسي بالموت عندما ربطتها بإنسان على موعد مع الموت بعد أيام، لكن.. إحساس قوي ترسخ في داخلي بأنه سيعيش، ربما لأنه كان يتحدث عن الحياة أكثر من الموت، عن الأمل أكثر من الألم، ربما لأنه لم يكن يتألم أمامي، ربما ثقتي بالله كبيرة.. وربما حبي له جعلني لا أتصور أبداً أنه سيموت.

قال لي ذات صباح:
- وفاء.. لم هذه الدموع في عينيك؟ لم أنتِ حزينة؟!
قلت له وأنا أحاول أن أخفي ضعفي:
- أبداً.. إنها أثار التعب.
قال كأنه قرأ أفكاري:
- "وفاء.. الحياة لا تتوقف عند موت إنسان.. عندما ماتت أمي كدت أقتل نفسي حزناً، واعتقدت أن الحياة انتهت، لكن مع مرور الأيام والسنين اكتشفت أنها لم تنته".
يا الله.. كم يعذبني بحديثه هذا... كم أتعذب وأنا أراه يتحدى الموت بإيمان قوي.

شهر بأكمله مر على وجوده في المستشفى، أصبحت أحس أنه قطعة مني، بل أنا المسؤولة عنه... هو أيضاً تعود على صورتي وحديثي معه. قال لي يوماً:
- "وفاء.. وجودك إلى جانبي خفف عني كثيراً من الألم".

وتمضي الأيام سريعة، تلتهم بعضها البعض، كأنها تتعجل رؤية النهاية...
إلى أن جاء آخر يوم لازلت أذكره كهذه اللحظة، كان الوقت مساءً، كنت آخذ في يدي دفتره الصحي لأسجل بعض المعطيات الجديدة حول حالته الصحية.. رأيته يضغط بأسنانه على شفته السفلى بقوة كأنه يعالج ألماً كبيرا في نفسه.
سألته: "ما بك يا خالد.. هل اشتد عليك الألم؟
قال لي:
- "إنه ألم بسيط سيزول بعد لحظات"، ثم رسم على شفتيه ابتسامة صفراء باهته.. رسمها بعسر ليخفي عني آلامه.
فعدت إلى تسجيل درجة حرارته، لكنني سمعت صوته يأتيني ضعيفاً، رقيقاً، هادئاً:
- وفاء..
رفعت رأسي، ولأول مرة أرى في عينيه دمعتين ترقصان خوفاً وألماً، وألمح على وجهه معاني الاضطراب والقلق... تحركت شفتاه كأنه يريد أن يقول شيئاً، لكنه ظل صامتاً. صراع قوي، أحسه يتفاعل في داخله: صراع بين الألم والأمل، بين التحدي والاستسلام، بين الموت والحياة، لكنه ظل على صمته، ينظر إلى وجهي... اقتربت منه وسألته:
- هل تريد أن تقول شيئاً؟
وفضل الهروب بطريقته الخاصة، قال لي وهو ينظر إلى النافذة:
- كم أحب صورة الغروب!
صرخت بصوت مضطرب:
- ولكنها تعني النهاية.
أجابني بحكمة:
- أبداً، الغروب لا يعني؛ دائماً؛ النهاية، قد يكون بداية لفجر جديد.
قلت وأنا أصر على معرفة ما يجول في خاطره:
- كنت تريد أن تقول شيئاً، أليس كذلك؟
نظر إليّ، والحزن يطل من عينيه، ثم قال:
- غداً الجمعة، ستكون عطلتك، عندما تعودين يوم السبت أصارحك ببعض ما يختلج في صدري.

صباح يوم السبت، وجدت نفسي أمر على الكشك.. اشتريت جريدة، ثم دخلت إلى المستشفى.. أسرعت إلى غرفته، متلهفة على رؤيته.. وقفت عند الباب.. نظرت إلى سريره فلم أجده.. رباه.. هل خرج؟! هل حدث له مكروه؟! هل... لا، مستحيل.. وأحسست بيد رقيقة تمسك بكتفي، وسمعت صوت صديقتي وهي تنشر أمامي الحقيقة التي كنت أهربها من مكان إلى آخر حتى لا اصطدم بها...
- مات خالد
- مستحيل.. كيف؟! متى؟! لماذا؟!
- مات يا وفاء.. مات مع آذان الفجر.
ارتعشت أطرافي .. سقطت الجريدة من يدي، وأحسست أن العالم كله توقف، زلزال عنيف دمر كياني، وجعلني أغيب عن الوعي مدة طويلة أفقت بعدها على صوت الدكتور:
- إنك الآن بخير يا وفاء، سأمر عليك بعد حين، وخرج.
ورأيت صديقتي تجلس إلى جانبي وهي تحاول أن تمسح الدموع الغزيرة التي بللت وجهي، أسندت رأسي إلى صدرها وأنا أردد في يأس:
- مات خالد...
وسمعت صوتها يصفعني بالحقيقة مرة أخرى:
- كل الأطباء في المستشفى أكدوا لك أنه سيموت بعد أيام، ولكنك كنت تضعين أصابعك في أذنيك هروباً من الحقيقة.
وقبل أن تخرج صديقتي، رأيتها تخرج من حقيبة يدها مصحفاً صغيراً وفوقه ورقة، قالت لي:
- هذا ما تركه لك خالد قبل موته.

أخذت المصحف، ثم فتحت الورقة بلهفة، ورحت ألتهم حروفها بسرعة:
( عندما تقرئين هذه الرسالة، لن أكون معك، إنها آخر ورقة تسقط من حياتي، لكن ما حدث كان فوق طاقتي، فكما أننا لا نختار لحظة دخولنا إلى الحياة ولا لحظة خروجنا منها، كذلك لا نختار زمن أحلامنا... ثلاثة لا اختيار لنا فيهم:
الحياة .. الموت.. والأحلام.
وفاء.. لو منعك عني الناس لحاربتهم من أجلك، واستنزفت آخر ما تبقى من دمي حتى لا تكوني لغيري، ولكنه القدر ، لا نملك أمامه إلا أن نقول: "قل لن يصبنا إلا ما كتب الله لنا"..
فقط أوصيك أن تحتفظي بهذا المصحف الشريف، فإنه يمنع عنك الإحساس بالخوف واليأس...).
وخرج صوتي من بين دموعي يردد: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".

للكاتبه

زكية عـلال
* قاصة وكاتبة جزائرية من مواليد عام 1966م
* متخرجة من المعهد التكنولوجي للتربية وتعمل كأستاذة للغة العربية
* بدأت الكتابة في منتصف الثمانينات، ونشرت في عدة صحف وطنية منها: النصر، الشروق، المساء، صوت الأحرار... وكذلك في مجلات عربية منها: مجلة المنتدى بإمارة دبي.
* فازت بعدة جوائز وشهادات تقديرية منها:
- الجائزة الثانية للقصة عن مديرية الثقافة لولاية بومرداس سنة 2000
- جائزة القصة لوزارة المجاهدين سنة 2003
- جائزة كتامة للقصة سنة 2005
الملك عماد
الملك عماد
مشرف
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 760
نقــــاط السمعــــة : 4
تاريخ التسجيل : 02/07/2009
العمر : 31
المزاج : مستمتع
الدولة : الرسالة الأخيرة 1376060383691
الأوسمة : هذا العضو لم يحصل على وسام
الإقامة : الجزائر

منقول رد: الرسالة الأخيرة

2010-05-01, 18:38
السلام عليكم
شكرا على الموضوع الرائع
ننتظر جديدك
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى